الاثنين، 23 مارس 2009
بدء الحرب السادسة
قالت مصادر مطلعة أن موقع عسكري للجيش بمنطقة مران اقدم على القصف المدفعي العشوائي على بعض المناطق المدنية والآهلة بالسكان وقد تركز القصف المدفعي بشكل مكثف على مدرسة (المجد) الأساسية بالبقعة (مران) والتي تضم داخلها عدد كبير من تلاميذ المرحلة الأساسية (الابتدائية) والتي تتراوح أعمارهم بين (7) و(13) سنة، وأفاد المصدر المطلع أن القصف المدفعي العشوائي من قبل عناصر الجيش والذي تركز بشكل مباشر من موقع (المجرم) التابع للجيش اسفر عن عشرات الإصابات الخطيرة والبالغة في صفوف التلاميذ ولم يتسنى للمصدر حتى اللحظة تقديم احصائيات دقيقة لضحايا القصف، وأكد أن القصف من قبل عناصر الجيش كان مفاجئا للأهالي وجميع أبناء المنطقة، وهي خطوة أثارت غضب أهالي المنطقة كافة وزادت من سخطهم على تصرفات عناصر الجيش العشوائية والمتكررة في أكثر من منطقة منذ توقف الحرب الخامسة، يأتي هذا التصعيد العسكري من قبل الجيش في ظل مؤشرات عدة لعودة الحرب ونشوء حرب سادسة، من جانبه أكد الحوثي في أكثر من مناسبة كان آخرها مقابلة صحفية مع صحيفة الناس الاسبوعية الصادرة اليوم الأثنين أكد على أن السلطة تعد لحرب سادسة تشنها على أبناء محافظة صعدة، هذا وكان صالح هبرة الناطق الرسمي باسم الحوثي قد أكد على استعدادات تحظر لها السلطة خلف الكواليس لشن حرب جديدة عليهم، وكشف في بداية الاسبوع الماضي عن تحركات واجتماعت لقيادات في الجيش تدرس مدى جاهزية السلطة لشن الحرب الجديدة، الجدير بالذكر أن جريمة القصف العشوائي من قبل الجيش جاء مناقضا لما نشره موقع سبتمبر نت ليل أمس الأحد على لسان الشيخ فارس مناع والذي اكد فيه خيار السلام من جانب السلطة ووعد بالإفراج خلال ساعات عن عدد من المعتقلين على ذمة أحداث صعدة الا أنه لم يحدث من ذلك شيء ولم تفرج السلطة حتى الآن حسب وعدها عن أحد من المعتقلين.
الجمعة، 20 مارس 2009
من أكاذيب جريدة الشموع( العنصرية)

وصف السياسيون تصريحات امين عام حزب الحق المنحل "حسن زيد" في صحيفة الوسط بأنه يمثل اتهاماً لاحزاب اللقاء المشترك والحزب الحاكم حيث رأى بأن ذلك الاتفاق رحلة نحو اشعال حرب سادسة في محافظة صعدة ، وبانه اجماع لقوى الشر بقوله: " اخشى ان يكون الاتفاق رحلة تتيح فرصة لقوى الشر ان تجدد المعارك والحروب وبالذات في صعدة.
واضاف السياسيون بان زيد الذي انبرى بنبرة ساخطة ذهب إلى ابعد من ذلك ليتهم التجمع اليمني للاصلاح بصورة غير مباشرة بان عودة الحرب تمثل بالنسبة له ضمانة لازدياد نموه السياسي بقوله : "واخشى ان تكون الحرب في صعدة هي ضمانة لبعض اطراف سياسية ترى فيها ضماناً لنموها السياسي".
واعتبر السياسيون تصريحات حسن زيد لصحيفة الوسط والتي تزامنت مع تصريحات مماثلة للمدعو يحيى بدر الدين الحوثي الفار من وجه العدالة في الخارج ومعه الناطق باسم تنظيم التمرد الحوثي صالح هبرة والذي كانا وصفا في تصيرحاتهما التوافق السياسي بين المشترك والحاكم على تأجيل الانتخابات بانه يمثل اشارة لارهاصات حرب سادسة حيث وصف من جانبه المدعو يحيى بدر الدين الحوثي ذلك التوافق بانه مثل طوق نجاة للنظام السياسي الذي كان ينظر نهايته الحتمية في الـ 27 من ابريل القادم، متهماً المشترك بالتواطئ مع رئيس الجمهورية.
هبرة من جهته أعلن في تصريح نشرته صحيفة الوسط ان السلطة قد دشنت الحرب السادسة في محافظة صعدة بعد عودة الرئيس من زيارته الاخيرة لمسكو ناسباً لفخامة الرئيس اصداره تهديدات لمحو الحوثيين من الوجود غير ان سياسيين رأوا في تصريحات هبرة اشارات اخرى ذات مدلول خطير يتجه نحو اعتبار اعلان التوافق السياسي بين الحاكم والمشترك بانه يمثل حسب تفكيره التآمري القاصر اعلان حرب ضد الحوثيين واضاف السياسيون بالتأكيد على ان توافق الحاكم والمشترك حول رؤية وطنية قد مثل ببعده الوطني اجهاضاً لمشاريع تآمرية وتخريبية لاشك ان تنظيم التمرد الحوثي يمثل الحلقة الابرز في سلسلة التآمر. وحول تصريحات حسن زيد وموقف المشترك حيالها علمت "الشموع" من مصادر خاصة باللقاء المشترك ان هيئته التنفيذية قد طالبت امين عام حزب الحق المنحل بتوضيح، ليس فقط حيال تصريحاته في صحيفة الوسط والتي تمثل خروجاً على السياق العام لسياسة المشترك وانما طالبته بتوضيح للبيانات التحريضية ضد المشترك التي صدرت من فرعي حزب الحق في كل من ذمار وحضرموت واصفة ذلك بالسابقة الخطيرة.
مشيرة في سياق حديثها لـ"الشموع" بان مثل هذه التجاوزات لسياسة المشترك تطرح وبقوة مسألة رئاسة حسن زيد في الدورة القادمة للقاء المشترك كممثل لحزب الحق امرأ يستحق إعادة النظر فيه كون تصريحاته ونتوءات فروع حزبه تدعم توجسات الكثير من اعضاء المشترك من استغلاله لمنصب رئيس اللقاء المشترك لخدمة مشاريعه الشخصية المتقوقعة في ذهنيته حبيسة عصر ما قبل الثورة والنظام الجمهوري والوحدة .
من جهتهم دعا مراقبون إلى التعاطي مع تصريحات أمين عام حزب الحق المنحل وبيانات فروعه والمتزامنة مع ملامح التصعيد الميداني للتمرد الحوثي والسياسي لحيدر ابوبكر العطاس ضد المشترك وابداء الخارجية الأميركية قلقها على مستقبل الديمقراطية جراء توافق الحاكم والمشترك في ذات الوقت.
وذلك من خلال رؤية تحليلية عميقة لهذا التزامن خاصة إذا اخذ في الاعتبار التقارب الأميركي الإيراني في كل من بغداد وكابول والتقارب بيد لندن وحزب الله في لبنان.
وصية قاتل الكوريين بحضرموت بنفسه(نسأل الله اللطف)
ببسم الله الرحمن الرحيم
...... أمي الغالية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أكتب لك والدمع في عيوني ولكن هذا هو طريق الحق الذي سننفع أنفسنا به . أمي الغالية والله إني لحزين على فراقكم ولكن والله إنك يجب إن تعلمي بأن دين الله ليس محتاجاً لنا ولكنا نحن الضعفاء المحتاجون إليه . والله لن ينفعنا مال ولا شيء إلا الجهاد في سبيل الله الذي سننجو به من العذاب إن شاء الله .
فادعي لي ولا تغضبي علي وادعي لي بالثبات وبالشهادة ولا تسمعي لقول الكاذبين الذين يقولون إن هذا طريق خاطئ وسيريك الله الحق
واعلمي أني مرتاح والحمد لله وفي أحسن حال ، وادعي لي بعدم الأسر والسجن وسلمي على الوالد والكريمة والولد الصغير وانتبهي لهم وخليه يوقع رجال يخرج ، كتب لكم رسالتي قبل ذهابي للصومال ولا تخافي من هذا القول ومن يسألك فقولي له وبشريه ولا تخافي من هذا القول ومن يسألك فقولي له وبشريه ولا تخافي لأن هذا هو الطريق والحمد لله رب العالمين
...... أمي الغالية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أكتب لك والدمع في عيوني ولكن هذا هو طريق الحق الذي سننفع أنفسنا به . أمي الغالية والله إني لحزين على فراقكم ولكن والله إنك يجب إن تعلمي بأن دين الله ليس محتاجاً لنا ولكنا نحن الضعفاء المحتاجون إليه . والله لن ينفعنا مال ولا شيء إلا الجهاد في سبيل الله الذي سننجو به من العذاب إن شاء الله .
فادعي لي ولا تغضبي علي وادعي لي بالثبات وبالشهادة ولا تسمعي لقول الكاذبين الذين يقولون إن هذا طريق خاطئ وسيريك الله الحق
واعلمي أني مرتاح والحمد لله وفي أحسن حال ، وادعي لي بعدم الأسر والسجن وسلمي على الوالد والكريمة والولد الصغير وانتبهي لهم وخليه يوقع رجال يخرج ، كتب لكم رسالتي قبل ذهابي للصومال ولا تخافي من هذا القول ومن يسألك فقولي له وبشريه ولا تخافي من هذا القول ومن يسألك فقولي له وبشريه ولا تخافي لأن هذا هو الطريق والحمد لله رب العالمين
الأربعاء، 18 مارس 2009


أثارت ندوة عن "التعايش بين المذاهب" نظمها حزب الحق اليمني المعارض جدلا ولغطا كبيرين، ووجهت إلى الحزب اتهامات بينها نشر المذهب الاثني عشري وتبني "أجندة إيرانية"، علما بأن السفير الإيراني لدى صنعاء حضر فعاليات الندوة.
واعتُبرت الندوة مبادرة نوعية من حزب الحق الذي يتبنى المذهب الزيدي، لكن البعض رأى أن معظم المتمردين الحوثيين الذين تقول السلطة إنهم يتبنون مذهبا وافدا هو المذهب الاثني عشري الجعفري خرجوا من عباءته، ويتبعون المراجع الشيعية في قم بإيران والنجف بالعراق.
الأمة نت متابعات
أثارت ندوة عن "التعايش بين المذاهب" نظمها حزب الحق اليمني المعارض جدلا ولغطا كبيرين، ووجهت إلى الحزب اتهامات بينها نشر المذهب الاثني عشري وتبني "أجندة إيرانية"، علما بأن السفير الإيراني لدى صنعاء حضر فعاليات الندوة.
واعتُبرت الندوة مبادرة نوعية من حزب الحق الذي يتبنى المذهب الزيدي، لكن البعض رأى أن معظم المتمردين الحوثيين الذين تقول السلطة إنهم يتبنون مذهبا وافدا هو المذهب الاثني عشري الجعفري خرجوا من عباءته، ويتبعون المراجع الشيعية في قم بإيران والنجف بالعراق.
لكن ثمة من يعتقد بأن حرب صعدة بين القوات الحكومية ومتمردي جماعة الحوثي اكتسبت في السنوات الماضية لونا مذهبيا واستهدفت أهل المذهب الزيدي، رغم أن الرئيس علي عبد الله صالح وأركان الحكم والممسكين بمقاليد الدولة ينتمون إلى هذا المذهب، في مفارقة لا تستقيم مع حقيقة الصراع.
تيارات ومناهج
وتحدث الأمين العام لحزب الحق حسن محمد زيد للجزيرة نت عن تيارات سياسية دينية سلفية تحارب المذاهب وترفض التعايش وتثير الفتنة، وهناك كتب تنشر مجانا وتوزع على معسكرات الجيش والمدارس تحرض على الزيدية والشافعية الصوفية.
وقال إن المناهج الدراسية خصوصا التربية الإسلامية واللغة العربية والتاريخ والتربية الوطنية ترفض المذاهب وتسعى لتوحيد الناس على مذهب واحد، وهو التوجه الرسمي في التعليم.
وأضاف زيد أن "المذهبين الشافعي والزيدي مستهدفان من قبل جهات داخلية لها دعم من الخارج، وما الحملات الصحفية التي تشن ضدنا إلا تجسيدا لتوجه لدى فئة من الناس ترفض المذاهب وتعتقد بأنها تمثل الإسلام الصحيح".
حسن محمد زيد: حرب صعدة
تستهدف محو الزيدية (الجزيرة نت)
وتابع يقول إن حرب صعدة تستهدف محو الزيدية، وأكد أن الحوثيين زيدية ونفى أن يكونوا من أتباع نشر المذهب الاثني عشري أو أنهم تبنوه، وتساءل قائلا "لو فرضنا أنهم اثنا عشرية فهل دماؤهم مباحة؟".
ونفى زيد اتهامات بأن حزب الحق ذو أجندة إيرانية، "فنحن يمنيون أكثر من هؤلاء الذين يروجون ضدنا الاتهامات ولا نعرف مصدر تمويلهم المالي، وينشرون الصحف والكتب ويبنون المساجد". وتساءل "هل التعايش بين المسلمين والوحدة الوطنية أجندة إيرانية؟"،معتبرا أن "المذهبية مثل الحزبية، نوع من التعدد والتنوع في الإطار الواحد".
أجندة إيرانية
ويرى الباحث الإسلامي عبد الفتاح البتول أن قادة حزب الحق أصبحت لهم فعلا أجندة خارجية إيرانية، وثمة مؤشرات عديدة على ذلك بينها دفاعهم الكبير عن الاثني عشرية وسعيهم لإيجاد اعتراف شعبي ورسمي بالمذهب تحت مسمى تعايش المذاهب.
وقال للجزيرة نت إن دعوة التعايش بين المذاهب تعكس سعي الاثني عشرية للسيطرة على الزيدية، وقد برزت مؤخرا مع تمرد الحوثيين الذين يسعون لنشر المذهب الاثني عشري في اليمن بالقوة، بينما لا يوجد في البلاد سوى الزيدية والشافعية وهما مذهبان تعايشا على مر التاريخ
أما القول بأن الدولة تعمل على تقوية التيار السلفي التكفيري لضرب المذهب الزيدي، فاعتبره كلاما غير صحيح إذ "ما يسمى بالتيار السلفي بعيد عن العمل السياسي، وليس لهم أي تواجد في مفاصل الدولة سواء الوزارات أو المؤسسات الأمنية والعسكرية".
وأضاف البتول أن الحوثيين وقيادة حزب الحق الحالية ممن يتشيعون سياسيا لإيران يرددون مثل هذا الكلام لتبرير ما يقومون به من خلال اصطناع عدو وهمي، حتى يمكنهم الحشد لمشروعهم المذهبي الاثني عشري الذي هو موجه أساسا ضد الزيدية قبل المذاهب الأخرى.
المشاركون يبحثون أسباب الصراع وفرص التسامح وإسلام بلا مذاهب
اتفق المشاركون في ندوة التعايش بين المذاهب على أهمية التعامل مع الآخر وفق مبدأ التسامح واعتماد اسلوب الحوار لتجاوز المسائل الخلافية
الندوة التي نظمتها دائرة حزب الحق الثقافية الخميس المنصرم عن ( التعايش بين المذاهب..مدخل للوحدة الإسلامية)، لوحظ تغيب السلفيين عنها في حين حضرها أتباع من المذهب الزيدي، ودار المصطفى بتريم و سفير جمهورية إيران الإسلامية بصنعاء، ،ومهتمون.
و طرح المشاركون في مداخلاتهم ونقاشاتهم تساؤلات واقتراحات مختلفة حول الربط بين الدين والمذهب وهل المذهب شرط لصحة الإسلام أو التدين، ومنع التعددية المذهبية في ظل الترخيص للتعددية السياسية، ودعوات بضرورة تبني العلمانية ومذاهب اجتماعية وعلمية إلى جانب المذاهب الدينية.
ووجه أمين عام حزب الحق ( حسن محمد زيد) انتقادا إلى من سماهم بـ"الإسلاميين الإقصائيين"، والذين يتعرض الإسلام لأشد الحملات من قبلهم، معتبرا أن ذلك الإقصاء من ناحية موضوعية غير عملي وغير ممكن ولا يؤدي إلا إلى إذكاء الصراع.
وفيما انتقد( زيد) القبول بالتعددية السياسية في الوقت الذي تجرم فيه التعددية المذهبية والإعتراف بالأحزاب من دون المذاهب، اعتبر مسألة الدعوة إلى التقريب والوحدة بين المذاهب استفزازا لواقع التعددية المذهبي وقيادته على المستوى العربي والإسلامي والتي تسعى إلى تميزها على الآخرين، مشيرا إلى شعور قيادات المذاهب بالتهديد من تلك الدعوة والذي يلجئها إلى الدفاع عن وجودها ومصالحها بالهجوم على الآخر لتتحول معه الدعوة إلى المقاربة والتوحد إلى عامل ودافع للصراع والعداء والخصومة.
ووصف أمين عام حزب الحق من يتجاهل المذاهب بـ"الحالم أو لا يعيش مع الواقع"، داعيا إلى الإعتراف القانوني والسياسي بالمذاهب الإسلامية كضرورة من ضرورات التعايش، وسن قوانين تجرم وتعاقب من يمارس التمييز، إضافة إلى تنقية المناهج التعليمية والتربوية والوسائل الإعلامية ومنابر المساجد من كل العناصر والقضايا التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية وبناء ثقافة وطنية جدية قوامها الوحدة التي لا يمكن أن تتحقق إلا باحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته حسب قوله. وفي الوقت الذي أرجع فيه (زيد) سبب الإستهداف الذي تواجهه الزيدية إلى نسبهم وسلالاتهم، مؤكدا أن الناس المستهدفين يزدادون على ماهم عليه، دعا إلى إعادة النظر في علاقة الزيدية بالإسماعليه، مذكرا بأن الصراع القائم بينهما جاء على خلفية العنف السياسي الذي قامت به الإسماعيلية ضد الزيدية عبر اغتيالهم ثلاثة من أئمتها. وقال إن فرض عقيدة باسم الإسلام ستحولنا إلى منافقين ومرائين. من جهته دعا الدكتور (عادل الشجاع) إلى تبني العلمانية كخيار عملي لتوظيف الدين والعقلانية وهو الشيء الذي تدعو إليه من أجل الخروج من أزمات التمذهب والمذاهب، مؤكدا أن العلمانية لم تكن يوما ضد الدين وأنها تدعو إلى حرية الإنسان وتوظيف الدين والعقلانية.وسأل الشجاع المشاركين عن "صحة الدين بلا مذهب وتأطير أنفسنا بإطارات الخلافات"، لكنه نفى أن يكون الصراع بين المذاهب صراعا دينيا، ليؤكد أنه صراع سياسي، مشيرا إلى استهزائه بمن يتحدث عن المخططات الصهيوأميركية، داعيا إلى إعادة الإعتبار للعقل. أما القيادي الناصري ( حاتم أبو حاتم) والذي شكر حزب الحق على تنظيم هذه الندوة ذات الموضوع المهم، فاقترح تشكيل لجنة حوار على مستوى اليمن تضم الناضجين من المذاهب، ،
وأشار المحامي ( عبد العزيز البغدادي) إلى توفق دائرة الحق الثقافية في اختيار موضوع ندوتها، معبرا عن مخالفته لمن قال بالتعدد المقيد والمحدد، ليؤكد على إطلاقه من حيث الأصل، ليقترح بعده ( القاضي محمد علي لقمان) بالتركيز على دور العقل وتوظيفه، والذي أشار إلى غيابه في عمليات التحاور والنقاش والتعايش.
وفي الوقت الذي تحدث فيه ألأمين العام المساعد لاتحاد القوى الشعبية ( الدكتور محمد عبد الملك المتوكل) عن عدم توازن المنصة نظرا لغياب السلفيين، أكد عضو مجلس النواب ( عبد الكريم جدبان) على الحاجة الى إعادة النظر في المذهب الإسماعيلي وموروث المطرفية بعيدا عن الخلاف السياسي ، وعدم التمترس خلف العناوين المذهبية. وطالب جدبان بالتركيز على نقاط اللقاء والتوافق، والتي قال إنها تمثل أكثر من 90%،
واشارت ورقة عبدالله حمود العزي الى أن من الأشياء المهمة التي تجعل من التقارب بين المذاهب امرا ممكنا هو معرفة هذه المذاهب والإطلاع على ما لديها من خلال كتبها المعتمدة ومراجعها الثابتة، لا من خلال ما ينقله عنها خصومها، واوردت ثلاثة أسباب للاختلاف المذهبي اولها الاختلاف في طبيعة فهم النص والثاني الاختلاف في رواية الحديث والثالث التباين في القواعد الأصولية والفقهية وضوابط الاستنباط،
اما ورقة احمد محمد هاشم (الجوامع المشتركة لعلماء الأمة)فقد ذكرت بأن الاختلافات الفقهية تتركز في قضايا:1_عقدية 2_ قضايا ومسائل فكرية وفقهية - ومصدرها الأساس : آراء اجتهادية فردية، صادرة من ذي رأي مستند إلى الدليل الظني، الذي استنبط منه رأيه الظني، يحتمل أحد الظنين: الخطأ والصواب وخلصت الورقة الى ان التفرق في الاعتقادات الإسلامية والاختلاف في مسائل التوحيد لله جلّ جلاله: من أخطر الأمور المهلكة للمسلمين في الدنيا والآخرة سواء على صعيد الأفراد، أو الجماعات الاختلاف الفقهي فيما بين علماء الأمة ومجتهد يهم رحمة وتوسعة
وبحسب ورقة عبدالله محمد حميدالدين المقدمة لذات الندوة فإن تجاوز المشاكل الطائفية يتطلب منا
تقوية المبادئ الديمقراطية في المجتمعات المسلمة، لأنه بقدر وجود مساحة حرة للتنافس على القوى والمصالح بقدر ما تضعف نطاقات السلطات الأخرى: عشائرية وطائفية.
تعزيز الاستقلال في التفكير لدى المسلم بإزاء علاقته مع رجل الدين. فعلاقة المسلم مع رجل الدين قد تكون علاقة اعتماد كلي: أي أنا أسأل وهو يجيب. هو يملي وأنا أتبع. في المقابل هناك علاقة اعتماد مبتادل: أي أنا أطرح قضايا وهو يطرح احتمالات. وهو يثير تفكيري في اتجاهات متنوعة وأنا أحاول تبني موقفاً على ضوء ذلك. فبقدر ما تكون علاقة المسلم مع العالم علاقة اعتماد كلي بقدر ما يكون للسلطة الطائفية تأثير. وبقدر ما تكون العلاقة من نوع الاعتماد المتبادل بقدر ما تقل سلطة الطائفة. من جانبه انتقد معمر العبدلي الدولة لغيابها عن رعاية مبدأ التعايش السلمي بين المذاهب، مشيرا الى انها تعمد الى احداث مزيد من الشروخ بين المذاهب عبر الكثير من الاجراءات اهمها:
- الاعتقالات ذات الخلفية المذهبية والفكرية.
- الرعاية شبه الرسمية لبعض التيارات المذهبية وتوسيع أفقها لتشمل كافة مرافق الثقافة العامة للمجتمع.
- السيطرة شبه الكاملة للتيارات التكفيرية على مرافق ومؤسسات الدولة التعليمية خصوصاً.
وقال بان على الدولة تحقيق الوئام الاجتماعي وتأصيل وتعميق مبدأ الحوار والقبول بالآخر وحرية العقيدة والفكر، وتحقيق التعايش السلمي بين المذاهب الإسلامية،موضحا ان ما يجري غير ذلك بقوله"ولكن بعكس ذلك نجد الممارسات الخاطئة والخطرة، ومن تلك الممارسات ما يتم من خلال السيطرة الكاملة على المرافق التعليمية التي تنذر بخطورة الوضع في حال استمرار التعبئة والثقافة الخاطئة وتوريثها للأجيال القادمة، وذلك ما يجعلنا نتوجس من استمرار زرع العداءات والعصبيات وتوريث ثقافة إلغاء الآخر للأجيال القادمة"
وشارك في ذات الندوة الباحث وضاح عبدالباري طاهر بدراسة مطولة عن التسامح المذهبي في اليمن اوضح فيها انه لم تُعرف بلد بالتسامح المذهبي بين مذهبيها: الشيعي (الزيدي)، والسني كاليمن
في ندوة "التعايُش بين المذاهب مدخل للوحدة الإسلامية"التأكيد على القواسم المشتركة بين المذاهب
ونبذ أسباب الفرقة والصراع بين المسلمين
كتب/ حميد رزق
> »كـُـلُّ المسلم على المسلم حرامٌ دمُه وماله وعرضُه«.. بهذا الحديث الشريف لخصت الدائرةُ الثقافية لحزب الحق ندوتـَها المنعقدة الخميسَ الماضيَ بفندق تاج سبأ في صنعاء تحت عنوان: »التعايُش بين المذاهب مدخلٌ للوحدة الإسلامية«..
وقدمت في الندوة عدَدٌ من الأوراق التي تطرقت إلى واقع العلاقات بين التيارات والمذاهب الإسلامية في الظروف العربية والإسلامية الراهنة والحرجة.. وبدأت الندوةُ بتلاوة آيات من الذكر الحكيم.. أعقبتها كلمةٌ ترحيبيةٌ وورقة مقدمة من الأستاذ/ حسن محمد زيد -أمين عام حزب الحق حولَ أهمية التعايُش، مستشهداً بمجموعة من الآيات القرآنية، وقال: إن الحديثَ عن التصالُح والتسامُح أو التعايُش بين المذاهب الإسلامية يقتضي بالضرورة التعريفَ بها، ولن تكونَ المعرفة موضوعيةً إلاَّ من خلال العَودة إلى كتب كـُـلِّ مذهب وفرقة، وما يقوله عنها أبناؤها ورموزها؛ لأن المسلمين للأسف -بحسب زيد- يعيشون جهلاً مُرَكـَّباً ببعضهم، ومن غير المعقول أن يظل كـُـلُّ طرف يتمسك بفكرته الموروثة عن الآخر عكس ما يحكيه الواقعُ.
مؤكداً أن التعددية المذهبية حقيقة تأريخية واجتماعية ينبغي التعامُلُ معها بحكمة وبُعد نظر، وختم أمين عام حزب الحق ورقته بالتشديد على استحضار المسائل التي يتفقُ عليها أبناء المذاهب الإسلامية وهي كثيرة كما قال، معتبراً أنْ لا معنى للتشدق بالديمقراطية وحُقوق الإنسان فيما الممارسة تشهَدُ إرهابَ البعض للآخرين من حولهم..
ثم بعد ذلك تحدث الأستاذ/ محمد الباشق حول الأخوَّة في الدين، نافياً أن تكونَ الأخوة الإنسانية تتعارَضُ مع مبدأ الولاء والبراء في الإسلام، مستعرضاً ما أسماها »وسائل تعميق الإخاء بين أبناء الأمة الإسلامية«.
من جانبه الأخ/ وضاح عبدالباري طاهر ألقى ورقته التي تدورُ حول »التسامُح الديني في اليمن«، قائلاً: في اليمن لا يبدو أن هناك أيَّ صراع أو خلاف حول الشريعة بين الشوافع والزيود، فهم يصلون في جامع واحد وراء إمام واحد.. معتبراً أن هناك عواملَ سمّاها »جغروسياسية« هي التي تفرقُ بين المذهبين، وليست الخلافات الدينية بالرغم من وجودها.
مستعرضاً جُملةً من العلاقات الفكرية والعلمية التي كانت تربط رجالات الفكر والدعوة في المذهب الزيدي بنظرائهم في المذهب الشافعي..
وقال: إن الإنصافَ يقتضي القولَ إن انفتاحَ الزيدية على السُّنة كان أكثرَ من انفتاح المذاهب السُّنية على الزيدية، وذلك بعد أن فتح أئمة الزيدية باب الإجتهاد على مصراعيه ولم يغلقوه كما فعل أئمة أهل السنة.
أما الأستاذ/ أحمد محمد هاشم فقد تكلم في مشاركته عن »الجوامع المشتركة بين علماء وأئمة المذاهب الإسلامية«، محذراً من عواقب ما أسماها »تورُّم الخلافات المذهبية بين المسلمين بسبب مؤثرات خارجية«.. وقال: إن الثوابتَ والمسلمات التي يتفق عليها كـُـلُّ المسلمين كثيرةٌ جداً، ويجب عدَمُ تجاوُزها والقفز عليها، منها أن الدينَ الإسلامي واحدٌ بعث اللهُ به جميعَ الأنبياء والمرسلين، وأن مصدرَ ومرجعية الدين الإسلامي هما القرآنُ والسنة النبوية، ووجوبُ محبة الله ومحبة رسوله.
معتبراً أن الإختلافات الفقهية ما هي إلاَّ آراءٌ مستمدةٌ من مصادر التشريع الإسلامي.. ولا فضل أو مقارنة بين مجتهد وآخر، أو مذهب وآخر؛ لأنهم كما قال البويصري:
وكُلـُّـهم من رَسولِ الله ملتمسٌ
غـَرْفاً من البحر أو رشفاً من الديم
وأوضح هاشم الفرقَ بين »الخلاف والإختلاف«، مورداً مبررات الإختلاف الفكري والفقهي للحفاظ على الجوامع المشتركة بين أبناء المذاهب الإسلامية.
أما الدكتور/ محمد حسين الصافي فقد كانت ورقته المقدمة في الندوة تحت عنوان: »ضرورة المحبة وأهمية المذاهب الإسلامية«، نافياً أن يكونَ اختلافُ المسلمين إلى مذاهب ثلمةً أو عيباً أو خللاً في التدين الصحيح..
وقال: إن هذا الإختلاف يدلُ على عكس النظرة السابقة. معتبراً إياه دليلاً على عظمة الإسلام وقوته وقدرته على احتواء اختلافات البشر.. فكما قال أحد العلماء: »من لم يعرف حكمة التعدد والإختلاف لا يعرف حقيقة التوحيد«.
مُشدداً على ضرورة إصلاح النظام التربوي والتعليمي في اليمن لمواجهة الأزمات التي تهدد المجتمع؛ لأن ترسيخَ قيَم الدين الحقيقية ضمانةٌ لتحقيق السلم الإجتماعي والتعايُش الإيجابي بين فئات المجتمع.
العلامة/ عبدالله حمود العزي تحدث عن »الإختلاف وتعدد المذاهب« وقال: إن الإختلافَ في وجهات النظر يدُلُّ على الحيوية الفكرية المتجددة التي يتمتعُ بها الفقهُ الإسلامي. مستعرضاً نماذجَ الإختلاف البَنـَّـاء في عصر الصحابة وعصر التابعين.
ثم تطرق إلى تأريخ نشأة المذاهب الإسلامية، وأسباب الإختلاف الفقهي فيما بينها.
مُختتماً ورقتـَه بالتأكيد على ضرورة التقريب بين المذاهب الإسلامية حتى لا تكونَ الخصومةُ المذهبية إحدى الأسلحة الصهيوأمريكية فيما تسميه بـ»الشرق الأوسط الجديد«.
الأستاذ/ حسن عباس عنتر: تكلم عن التعاوُن مع المخالف من منظور قرآني، مستعرضاً مفاهيمَ الحُرية الفكرية والدينية والوسائل القرآنية الحضارية في التسامح الديني والتعامل مع المخالف والمذهبية كظاهرة قائمة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وكيف ينبغي التعامل معها.
وقال: إن الخلافات المذهبية في جملتها خلافات سياسية. مقترحاً أن يتم تطوير أساليب النقاش والتعاون بين المذاهب الإسلامية في القواسم المشتركة.
الثلاثاء، 17 مارس 2009
من الفكرة إلى الطائفة الهلال الشيعي وزيدية اليمن مثالاً(عبدالله حميد الدين
من الفكرة إلى الطائفة
الهلال الشيعي وزيدية اليمن مثالاً
منذ فترة أثير احتمال انضمام زيدية اليمن إلى الهلال الشيعي. وفي هذه الورقة سأفكر بصوت عال في موضوع في غاية الأهمية وهو التمييز بين الانتماء الفكري وبين الانتماء الطائفي، وذلك لأطرح بعض النقاط حول فكرة "الهلال الشيعي" والزيدية كمثال للخلط بين الفكرة والطائفة.
خلاصة ما يلي هو أن أكون سنياً/شيعياً/إباضياً/زيدياً لا يعني أنني أنتمي لكل سني/شيعي/إباضي/زيدي ماضياً أو حاضراً. فالتفضيل الفردي لفكرة أمر، والانتماء لمن تبنى تلك الفكرة أمر آخر. أن أفضِّل اتباع فكر ابن تيمية شيء، وأن أشعر بالانتماء لكل من يتبع فكره آخر. وبالتالي فإنه لا يصح افتراض أن الناس ستنتمي لمن يوافقها في الفكرة؛ أي لا يصح استنتاج أو تفسير الطائفة بسبب الاشتراك بالفكرة. وأيضاً إذا وجدنا تحالفاً بين مجموعات طائفية بينها تشابه في الفكر، فعلينا أن نفسر التحالف بالانطلاق من معطيات أخرى غير التشابه الفكري.
وتنطلق هذه الورقة من مجموعة من الافتراضات:
1. الهوية لا تكون هوية إلا في سياق تفاعلات اجتماعية. لو عشت في جزيرة معزولاً عن الناس فلن يكون لي أي شعور بأي هوية. الهوية تقوم على عنصرين أساسيين: ما أنا؟ وما لست أنا؟ والعنصران يحتاجان إلى إنسان آخر ليمكن الإجابة عليهما.
2. مجرد حمل فكرة لا يحولها إلى هوية أساسية إلا إذا أصبحت جزءا من العملية المعيشية. فأن أكون مسلماً لا يعني أن الإسلام سيشكل هويتي الأساسية إلا إذا أصبح هذا الانتماء مؤثراً على علاقاتي الاجتماعية ومصالحي المعيشية. ومن الأمثلة الجيدة لهذا هو لون البشرة. فأن أكون أبيضاً أو أسوداً لا يصبح جزءا من هويتي إذا كنت ساكناً في منطقة لا يؤثر فيها لون البشرة على العلاقات الاجتماعية. ولكن سيصبح اللون جزءا من هويتي لو كنت أعيش في الولايات المتحدة أو جنوب إفريقيا. ولو عشت مسلماً في بيئة لا تعير الدين أي اهتمام جوهري فلن أشعر أن الدين هوية أساسية. والأمر ينطبق على جميع الانتماءات الفكرية والدينية المختلفة، بل حتى العرقية.
3. الهوية الاجتماعية شعور بالانتماء لجماعة. قد يكون الانتماء لمحبي الورد. وقد يكون الانتماء لمن يملكون سيارات من نوع معين. وقد يكون الانتماء لمن يعيش على أرض معينة. وقد يكون الانتماء لمن يحمل فكراً مشابهاً. وقد يكون الانتماء لمن يمرون بظروف متشابهة مرضى السكر مثلاً. ويحسن الإلتفات إلى أمرين:
• قبل الانتماء: مجرد التشابه لا يعني وجود انتماء. الانتماء يتكون عندما تقترن مصالح معينة به.
• بعد الانتماء: المسوؤليات التالية للانتماء تعتمد على المصالح المقترنة.
وبالتالي فإن مجرد الاشتراك في فكرة ليس مكوناً لطائفة. الهوية الفردية لا تتحول إلى هوية اجتماعية بشكل تلقائي. فلو كان هناك 1000 مسلم يعيشون في قرية، فلا يعني هذا أنه سيكون بينهم شعوراً جمعياً بأنهم مسلمون. كما إن هذا الاشتراك لا يحدد نوع المسؤوليات التي سيشعرون بإزاء بعضهم البعض. بل لا بد من صناعة الهوية الاجتماعية من خلال ربطها بمجموعة من المصالح .
4. الانتماء الطائفي أو المذهبي هو هوية اجتماعية وليس دينية. فأن أتبنى أفكار زيد بن علي أو الباقلاني أو ابن تيمية أمر... وأن أنتمي لمن ينتمي لتلك الأفكار شيء آخر تماماًً. وبما أنها هوية اجتماعية، وبما أن كل هوية اجتماعية إنما تكونت لأجل مصالح، فلا بد من الحديث عن المصالح التي تجمع أناس تحت مظلة طائفية.
5. الإنسان يحمل مجموعة من الهويات الأساسية الفردية والاجتماعية، وهو يختار متى يوظفها حسب معادلات المصالح الحالية. مثلاً: امرأة مسلمة مغربية أمازيغية زوجة أم أخت بنت … كلها هويات مختلفة وكل هوية تتبعها أدوار ومسؤوليات وكل هوية يتم تفعيلها حسب الظروف المحيطة.
على ضوء هذه الفرضيات سأطرح سؤالين وأجيب عليهما:
هل يمكن أن أقول إن خلافات اليوم هي امتداد لخلافات الأمس؟
وهل يمكن القول بأن طوائف اليوم هم امتداد لطوائف الأمس؟
الجوابان: لا. ولا.
فلكي يكون الخلاف اليوم امتداداً لخلافات الأمس لا بد من أن تكون معادلات الربح والخسارة أي روح تلك الخلافات هي نفسها. ولكن واقع الحال أن تلك الروح اختلفت. فمعادلات الربح والخسارة اختلفت نوعياً وبالتالي فلا يمكن اعتبار خلافات اليوم امتداداً لخلافات الأمس. خلافات اليوم هي صنيعة اليوم، وإن كانت توظِّف بعض منتجات الماضي. الخلاف السني الشيعي في لبنان ليس امتداداً للخلاف السني الشيعي في العصر الأموي وما بعد، لأن معادلات الربح والخسارة في القرن الأول للهجرة وفي البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك غير ما هي في هذا الزمن وفي بيئة اجتماعية وسياسية مختلفة تماماً، وهكذا. هناك قطيعة بين الحاضر والماضي يجب إدراكها حين ننظر إلى خلافات اليوم. نحن اليوم أمام اختلافات من نوع آخر تماماً، ومحاولات التحليل بالاستناد إلى الماضي توقعنا في أخطاء متعددة.
ثم إذا اعتبرنا أن الطائفة نفسها تكونت على أسس مصالحية، فهذا يعني أن تحول تلك الأسس يعني تحول الطائفة. فالطائفة تتكون من وعي أفرادها بضرورة الانتماء لبعضهم البعض بسبب مصالح ما، وباختلاف هذا الوعي تختلف الطائفة روحاً، حتى لو تشابهت شكلاًً. شيعي اليوم يملك وعياً بشيعيته تختلف عن وعي شيعي قبل 1000 عام، والأمر كذلك على السني والإباضي والإسماعيلي. والجهود التي يبذلها قيادات الطوائف في تعزيز الانتماء التاريخي هو من أجل محاولة خلق هذا الاستمرار في الوعي. ولكن لا يمكن أن يتشابه وعي من يقرأ التاريخ مع وعي من عاش ذلك التاريخ، كما لا يمكن أن يتشابه وعي من يعيش الألم من من يقرأ عنه. يمكن التعاطف، ولكن التعاطف لا يكفي لصناعة طائفة.
هذه الفرضيات تشكل خلفية الورقة وخلفية الاقتراحات في الأخير.
الهلال الشيعي:
استخدام العبارات الطائفية أو الإثنية في رسم الخارطة السياسية ليس جديداً، وعبارة الهلال الشيعي تقع ضمن هذه الاستخدامات. من المفارقات أن هذه العبارات تصنع الواقع الذي تشير إليه أكثر مما تصفه، كما إنها تُخفي أبعاداً بقدر ما تُظهر أخرى. تصنع الواقع لأنها ترفع من درجة الوعي المذهبي، وتسهم في تحويله من وعي فردي إلى وعي جماعي. تُخفي أبعاداً: لأنها بقدر ما تركز الأنظار على واقع مفترض، فإنها تصرف الانتباه عن الواقع الحقيقي.
محاولة فهم هذه العبارات يحيلنا إلى قضايا الهوية، وهي من أعقد الموضوعات الاجتماعية. وما يمكن قوله هنا هو أن لفظ "الهوية" مشترك لفظي ذات دلالات وإيحاءات متعددة غاية التعدد. فكلمة "شيعي" لفظة واحدة تشير إلى مضامين مختلفة. قد تشير إلى مضمون مذهبي: أي العقيدة والوعي التاريخي لأيام الإسلام الأولى. وقد تشير إلى مضمون طائفي: أي جماعة ذات خطاب مذهبي مشترك، وظروف سياسية واجتماعية واقتصادية متقاربة. وإلى مضمون تحالفي: أي أرضية تكوين تحالفات بين من يتفق على الانتماء المذهبي. لهذه المضامين المختلفة تجليات وأغراض.
عندما يتواجه سني وشيعي في مساحة لا توزع المصالح بناء على المذهب، فإن المضمون المذهبي للتشيع سيكون هو الأبرز بينهما. شيعي لبناني أمام سني لبناني، غير شيعي إيراني مع سني أمريكي. في الحالة الثانية فإن الاختلاف المذهبي سيكون هو الأبرز لعدم وجود مصالح مقترنة به. في الحالة الأولى فإن الأمر يعتمد على سياق اللقاء. فإذا كان توزيع مصالح الطوائف في لبنان، فإن الهوية الطائفية هي الأبرز، والهوية الشيعية مجرد اسم. الهوية المذهبية تكون هي الأبرز أيضاً عندما يسعى شيعة لتحالف سياسي مع سنة. وبقدر حيوية المصالح السياسية بينهم، بقدر ما سيختفي حضور الهوية الشيعية في لحظات العمل المشترك، وإن كانت لا تختفي تماماً.
عندما يكون هناك تنافس بين شيعة وسنة على توزيع مصالح بينهم فإن الهوية التي تبرز هنا هي الهوية الطائفية. والهوية المذهبية لا تمثل سوى الخطاب الظاهري. وكذلك عندما يسعى شيعة من وطن واحد للتحالف فيما بينهم، في سياق توزيع مصالح على الطوائف، فإن الهوية الطائفية هي البارزة.
وعندما يسعى شيعة من أوطان مختلفة للتحالف السياسي فيما بينهم، فإننا أمام هوية تحالفية لا علاقة لها بالمذهبية أو الطائفية. وهذه لا توجد إلا عندما يوجد وعي مشترك بالظلم والحرمان. ويصعب ـ إن لم يستحيل ـ إقامتها بغير ذلك.
يمكن الاستمرار في ذكر احتمالات اللقاء بين سني وشيعي، وتحليل نوع الهوية البارزة بينهم. والغرض هو التأكيد على صعوبة إطلاق أي عبارة طائفية أو مذهبية في وصف العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. فتدل هذه الأمثلة على تعدد معان الهوية بتعدد سياق استعمالها. وتدل على أن الهوية الشيعية هوية ظرفية ذات اشتراك في الاسم ولكن ليس في المضمون. وبالتالي فإنها لا تنشيء علاقات مباشرة بل لا بد من تحليل الظرف الذي توجد فيه، ومعرفة المصالح المرتبطة بالشيعي في تلك اللحظة، وبالتالي يمكن معرفة الجهات التي يمكن أن يتكون بينها تحالف. كما تشير إلى أن لكل هوية سياقها الذي تؤثر فيه. فلكل من الهوية المذهبية أطرها التي يمكنها أن تعمل فيها، والتي لا يمكنها الخروج عنها. وإذا ما خرجت فإنها تتحول وتصبح هوية أخرى.
وتحليل أسباب هذا التعدد، وكيفية نشوء "الطائفة" من "المذهب" خارج عن الغرض هنا. ولكن يجب أن يُذكر أن العلاقات النفعية تعتمد على مصالح نفعية بالدرجة الأولى. وأنه يندر للمصالح المعنوية أن تترجم إلى مصالح نفعية؛ وعندما يحصل ذلك فالعلاج هو التجاهل لأن انتباه "الآخر" إلى الهوية هو أهم عامل ديمومة لها. كما إنه من المهم الانتباه إلى أن الشيعة ـ مثلهم مثل أي طائفة ـ ليسوا نسيجاً موحداً، ولا مصالحهم كذلك، وهم في نهاية الأمر سيسعون للتحالف مع أي طرف سيضمن استمرار أو إعادة حقوقهم ومصالحهم. أخيراً إن الجدل الشعبي والمواقف التلقائية من عامة الناس لا تتحول إلى مواقف سياسية بشكل تلقائي، وبالتالي يجب التعامل معها على أنها انفعالات تحتاج إلى تنفيس وإلى توجيه.
التشيع المذهبي استعمل أثناء الحرب العراقية – الإيرانية في أوج فترة تصدير الثورة. فإضافة إلى الخطر العسكري، تمثل الخطر الإيراني في ذهن القيادات آنذاك في تحالفاته الممكنة مع الحركات الإسلامية في الدول العربية. فتم استخدام "التشيع" لخلق نفور شعبي من الشيعة على أمل أن يحد ذلك من نوع التحالفات بين القيادات السنية وبين الشيعة الإيرانيين. فالقلق كان من لقاء (تحالفاً) شيعي – سني من أوطان مختلفة. وفي هذا اللقاء فإن اللعب على وتر الهوية المذهبية يكون معطلاًً.
التشيع الطائفي يُستعمل اليوم في لبنان والعراق عند الحديث عن علاقات سنية ـ شيعية لأن المصالح الاجتماعية والاقتصادية يتم توزيعها وفق الانتماءات المذهبية وليس وفق استحقاقات وأهليات.
ولكن لم يسبق الحديث عن "تشيع تحالفي" إلا من خلال عبارة "هلال شيعي"، والتي لا يمكن أن تنطبق على التشيع المذهبي أو الطائفي. وكما سبقت الإشارة إليه فإن هذا النوع من التشيع لا يوجد إلا في حالة ما يكون بعض الشيعة في حالة من الحرمان والحصار بحيث يجدون في عنائهم المشترك ـ وليس هويتهم ـ أرضية للتحالف؛ ثم يلتفتوا من بعد ذلك إلى هويتهم ليجدوا أنها تقدم لهم خطاباً ووعياً تاريخياً ولغة تخاطب موحدة ويصبح الأمر لدى بعضهم، ولدى بعض مراقبيهم وكأنه نتيجة طبيعة لذلك التوحد، في حين أن الأمر لا يعدو الاشتراك في المصيبة.
وهناك امثلة تاريخية متعددة تدل على أن التوافق المذهبي لم يتحول إلى تحالف سياسي؛ وأن التشيع وحده لا يمكن أن يكون أرضية لأي تحالف، وإن كان أرضية لمنع تحالفات معينة. فمواقف إيران مع الشيعة ـ بل مع المسلمين ـ في الصراعات الروسي/الشيشاني، الروسي/الطاجيكي، الأرمني/الأذربيجاني (وهم شيعة) لم تعتمد على الهوية المشتركة الإسلامية أو الشيعية وإنما على المصالح المباشرة. والأمر نفسه ينطبق على علاقات إيران مع الشيعة العرب، وعلاقاتهم هم أيضاً معها. فعلاقاتها مع شيعة المملكة العربية السعودية، وشيعة الكويت، وشيعة البحرين، وعلاقاتهم بها اعتمدت على شعور الشيعة العرب بالغبن والاضطهاد، وليس على توافق مذهبي أو عقائدي. بل حتى العلاقات مع شيعة لبنان لم تعتمد على توافق مذهبي، بقدر ما اعتمدت على مصالح متبادلة.
لذلك إن ما يحصل اليوم يمكن اعتباره صعود ناس إحدى هوياتهم هي الهوية الشيعية، وليس صعوداً شيعياً، وانتصار حزب الله على إسرائيل هو انتصار للبنانيين ومسلمين وشيعة وليس انتصاراً للشيعة الطائفة. واستعداد بعض الشيعة اليوم للتعاون فيما بينها نتيجة ظرفية لوعيها المشترك بالظلم والاستهداف والحرمان والرفض والحصار؛ وليس نتيجة مطلقة لكونهم شيعة. ونفوذ إيران وعلاقاتها بالشيعة لن تزيد إذا كسب الشيعة في العراق، أو في لبنان، أو في اليمن أو في أي مكان لهم وجود. إنه سيزيد إذا شعروا أنهم مضطهدون، وأنهم محاصرون، وأن العرب من حولهم يتعاملون معهم وكأنهم شيعة أولاً، وعرب ثانياً.
إن الشيء المشترك الوحيد بين الشيعة هي رؤية دينية متوافقة وهذه لا تتحول بذاتها إلى رؤية سياسية مشتركة، ولن توجد "نحن" شيعية بشكل مطلق. وإذا ما وجدت فإننا سنجد أنها رد فعل لـ"هم شيعة". فالوعي الجمعي الشيعي يخلقه الخطاب السني أكثر مما يخلقه الاشتراك المذهبي.
والخلاصة أن مدخل إيران، وتكوّن هلال "شيعي" لن يكون على أساس التشيع وإنما عبر الشعور بالسخط والحرمان والحصار.
وبهذا يمكن الانتقال إلى اليمن.
الوضع في اليمن معقد شديد التعقيد. لتعدد اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، وتقلب دوافعهم واهدافهم. وأيضاً لتعقد التركيبة الاجتماعية والذهنية القبلية. يزيد الأمر تعقيداً حالة الاحتقان الشديد والتي تجعل التحليل يخلط بين الفعل والانفعال. وقد تجلى هذا التعقيد على كثير من التحليلات التي يقرأها المتابع اليمني ويشعر كأنها إسقاطات على اليمن أكثر منها تحليلاً لما يجري فيها.
وقد ظهر الحديث عن تحالف إيراني ـ زيدي في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي. ولكنه أخذ بعداً جديداً مع تصاعد أحداث صعدة الأخيرة.
40-45% من اليمن زيدية. ويوجدون في المناطق الشمالية الجبلية من اليمن. وتشمل مناطق الزيدية قبائل حاشد وبكيل ومذحج. هذه القبائل تمثل قوة أساسية في اليمن، وذات قدرة قوية على مقاومة أي قوة عسكرية كما ظهر ذلك في المواجهة مع العثمانيين، ثم الإمبراطورية البرطانية، ثم القوات الناصرية. لكل ذلك فإن احتمال دخولها ضمن تحالف مع إيران يمثل خطراً على الأطراف المعنية باليمن.
ولكن هذا الاحتمال يتم تكوينه وافتراضه، ولا يعتمد على واقع موجود على الأرض. فإيران لم تكن تملك أرضية قوية بين الزيدية، وذلك لأكثر من سبب أهمها:
أن أكثر القيادات الزيدية الرئيسية ـ السياسية أو العلمية ـ ربطت مصالحها بوضوح إما مع الحكومة في اليمن وإما مع المملكة العربية السعودية، وإما معهما معاً.
من لم يكن كذلك كان يرى أن أي علاقة مع إيران ستخلق أضراراً أكثر من المصالح المتوقعة وغير المؤكدة.
ثم إنها جميعاً كانت لتأكيد هويتها المحلية، واستقلال قراراها. كما كانت تتجنب أن تحالفات يتم النظر إليها على أنها موجهة ضد أطراف محلية أو إقليمية.
أيضاً استُفز الزيدية من محاولات بعض الشيعة التبشير بالمذهب الإثنا عشري في اليمن.
هذا من جهة الزيدية.
وأما من جهة إيران:
فلم تكن ترى الزيدية طرفاً منظماً وقوياً يمكن أن يحقق لها تحالفاً فعالاً. ربما اختلفت الظروف اليوم، ولكن لم يكن هذا بالأمس مما يدل على أن الأمر ذو اعتبارات مصالحية وليس فكرية.
ولفهم العلاقة المحتملة بين الزيدية وبين إيران فيجب النظر بعيداً عن الاشتراك في التشيع وإنما في تفاعل أمرين مع بعضهما البعض:
أولهما: التحولات في الهوية الزيدية جراء الأحداث التي مرت بها تجربة الإمامة.
ثانيهما: التحولات في رؤية الزيدية لـ "رؤية الآخرين" إليهم على ضوء ما جرى في صعدة.
وقبل أن أوضح المقصود بينهما يجب التنويه إلى أن أحداث صعدة لا تشرح أي علاقة بين إيران وبين الزيدية. ومن الخطأ أن ننطلق من توافق الشعار مع شعارات حزب الله أو الإيرانيين وبناء تحليلات سياسية عليها. فالمسألة ما هي إلا تفاعلات معقدة لمحاولة اعتقال حسين الحوثي الذي كان مصمماً على رفع شعار الموت لأمريكا الموت لإسرائيل. هذه المحاولة تحولت إلى مواجهة دامت 80 يوماً، ثم تطورت إلى ساحة لتصفية الحسابات وللمواجهة بين القوى المحلية. فالصراع لم يكن مع مجموعة عقائدية أو مذهبية أو دينية، بل كان بين الجيش وبعض المتطوعين وبين خليط من القبائل والهاشميين ذوي الميول والخلفيات والدوافع المتنوعة والمختلفة والمتضادة أحياناً. وكثير ممن قتل أو سجن لم يكن يعرف حسين الحوثي ولا أفكاره ولا دروسه. لقد تفاعلوا معه البعض من باب الغيرة على من تستهدفهم الحكومة، وتفاعل معه آخرون من باب استغلال الفرصة لمواجهة الحكومة، وتفاعل معه آخرون من باب الخوف على الهاشميين. وتفاعل معه آخرون من باب التعاطف مع والده الشيخ المسن الذي تجاوز الثمانين من عمره، والذي يعد من خيرة الهاشميين وكبار علمائهم. وتفاعل معه آخرون لكونهم لا يملكون خيارات في الحياة بسبب فقرهم المدقع، ويعلم الجميع بأن ما يقرب من نصف الشعب اليمني يعيش تحت خط الفقر، وأن الفقر خير مناخ للحرب والاقتتال.
إن البحث عن العلاقة بين الزيدية وإيران يجب أن يكون في العوامل نفسها التي سبق ذكرها عند الحديث على التشيع التحالفي: الشعور بالسخط والحرمان والحصار.
أولاً: التحولات في الهوية الزيدية:
قامت فكرة الإمامة على تجاوز الطائفية ما أمكنها، يتجلى هذا من نصوص مرجعية مثل قول محمد بن عبد الله النفس الزكية(ت145هـ) حيث: ((أوجب على من قام بهذا لأمر الدعاء لجميع الديانين، وقطع الألقاب التي يدعى بها فرق المصلين، وغلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون عليهم التلف، والامساك عمَّا شتت الكلمة، وفرَّق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به أحزاباً، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى السبيل الذي لا ينكرون وبه يؤلفون، فيتولى بعضهم بعضاً، ويدينون بذلك، فإن اجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل.)). كما يتجلى من الممارسات التاريخية مثل رؤية الإمام يحيى حميدالدين نحو الخلافة العثمانية، حيث كان يعتبرها مظلة للمسلمين جميعاً، ويؤكد ـ قولاً وفعلاً ـ بأن مقاومته هي للممثلي الخلافة الذين يعيثون في اليمن فساداً، وليس للخلافة. وقد انعكس هذا على تشكيل الزيدية لهويتهم. حيث كان البعد الطائفي فيها ضعيفاً للغاية. يظهر هذا بالنظر إلى التحالف بين الإخوان المسلمين وبين قيادات الزيدية في اغتيال الإمام يحيى، كما يظهر في انخراط الكثير من الزيدية في الحركة الإخوانية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
ولكن هذا الأمر أخذ في التحول تدريجياً. فبعد انقلاب/ثورة 1962 ـ والذي كان في الأساس نتيجة تحالف بين يمنيين زيدية وبين عبدالناصر ـ توجهت بعض القيادات الثورية إلى الهاشميين وإلى فكر الزيدية باعتبارهما يمثلان ركني الإمامة عبر 1100 سنة. وكان التركيز في البدء على الهاشميين أكثر منه على الزيدية، كما كانت لغة المواجهة لغة قومية بالدرجة الأولى.
ولكن الأمر أخذ في التحول مع تصاعد التيار السلفي، وسلوكه الذي يصرح بأن القضاء على الزيدية يمثل هدفاً استراتيجياً له، والأهم من هذا هو استخدامه لغة "أهل السنة" و"الروافض" في المواجهة. فبدأت الهوية الزيدية تأخذ شكلاً جديداً. فبعد أن كانت هوية قائمة على المشترك مع الآخرين، هوية آمنة وقائمة على مشروع سياسي يضم أطرافاً متعددة؛ أصبحت هوية تبحث عن ما يميزها عن غيرها، هوية تشعر بالتهديد الشديد، وهوية قائمة على مشروع "صراع البقاء".
هذا التحول أعاد صياغة علاقاتها مع فكرها، ومع قضاياها، ومع من تتعاطف أو تتحالف معهم.
فمن حيث الفكر، بدأت القضايا ذات العلاقة بأهل البيت والإمام علي تأخذ بعداً عاطفياً أشد. وصار تعلُّم الزيدية يكاد يرادف تعلم النصوص التي تؤكد حقوق أهل البيت وإمامة علي. ومن حيث القضايا أصبحت مواجهة السلفية هي القضية الكبرى. ومن حيث التعاطف أو التحالف صارت مبني على الاشتراك في الغبن بقدر ما هو مبني على الاشتراك في المبدأ الإسلامي العام. ولذلك فعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران، تعاطف معها كثير من الزيدية لثلاثة اعتبارات:
أولها: مثلهم مثل أغلب المسلمين في العالم الإسلامي، اعتبروها حركة ثورية ضد نظام جائرٍ، وحركة إسلامية تريد إعادة الدولة الإسلامية.
ثانيها: كونها تتحدث باللغة التي تمثل الشكل الجديد لهوية الزيدية. لغة فيها محبة أهل البيت، والإمام علي، ونحو ذلك.
ثالثها: وأهمها كونهم شعروا أنهم مضطهدون محاصرون وأن لا سبيل أمامهم إلا هذه الدولة التي تتكلم بكلام أهل البيت، وقادتها علماء مجتهدون، وزعيمها من أهل البيت.
وقد أدى ذلك التعاطف إلى محاولات من البعض للتواصل مع إيران ومع الحركات الشيعية الأخرى خصوصاً خليجية والتي جمعهم بها الشعور بالاضطهاد المشترك. ولكنها باءت بالفشل لعدم توافق المصالح.
التحول في هوية الزيدية لم يكتمل بعد لكونه يجد مقاومة النصوص والتجربة الزيدية التي رسخت عبر 11 قرناً.
والشد والجذب بين ما يفرضه الواقع على الزيدية من تحول في الهوية وبين ما تتطلبه الفكرة الزيدية يفسر كثيراً من التجاذبات التي وقعت في الساحة الزيدية.
ثانياً: التحولات في رؤية الزيدية لـ "رؤية الآخرين" إليهم على ضوء ما جرى في صعدة.
يتفاعل الفرد مع غيره وفق مجموعة من الأمور منها: رؤية الفرد للآخر. وأيضاً رؤية الفرد لـ "رؤية الآخر" إليه. فأنا أتعامل مع زيد وفق رؤيتي له، وأيضاً وفق ما احتمله من رؤية زيد لي.
والمتابع للعلاقات الزيدية مع محيطهم يجد أن الرؤيتنين كانتا إيجابيتين. فالمراسلات والرحلات كلها تدل على حالة متوازنة وإيجابية. ولكن هذا الأمر أخذ يتحول، ووصل إلى غايته في أحداث صعدة. الزيدية تقرأ أحداث صعدة من خلال ما حصل فيها (أو ما يعتقدون أنه حصل فيها) ومن خلال رد فعل العالم العربي لذلك.
فهم يرون عنفاً تجاوز جميع الاعتبارات الإنسانية والقانونية. يرون قتل الآلاف من المدنيين والعسكريين، واستخدام أسلحة محرم استعمالها دولياً ضد المدنيين، وتدمير قرى ومنازل بأكملها، وتحريق مزارع وقلع أشجار، وقطع أرزاق وفصل من وظائف، وحرق وتشويه وسحل جثث بعض القتلى في صعدة، واعتقال آلاف منهم أحداث لم يبلغوا سن الرشد القانوني، وملاحقة رمز من رموزها تجاوز الثمانين من عمره، ونعته بأقبح النعوت والأوصاف، وهجوماً إعلامياً على الهاشميين واتهامهم في أنسابهم وفي أعراضهم وانتمائهم وولائهم للوطن وللوحدة اليمنية.
كما يرون أنهم لكونهم الحلقة الأضعف صاروا مسرح الصراع السياسي بين القوى الكبرى في اليمن.
ثم يرون سكوتاً مطبقاً، ما عدا صوت هنا وهناك.
وبقطع النظر عن صحة رؤيتهم، ومدى موافقتها للواقع؛ فإن هذه الرؤية تعيد صياغة ما هو محذور وما هو مقبول.
إن تفاعل تحولات الهوية مع تحولات رؤية الزيدية لأنفسهم ولغيرهم هي التي تخلق المناخ الملائم لعلاقات من نوع آخر مع إيران أو مع قوى أخرى وليس الاشتراك أو التقارب في الفكر .
أخيراً.
1. عندما نتحدث عن الطوائف وعن العلاقات بينها يجب أن نبتعد عن التشابه أو التباين الفكري بينها. العلاقات الجيدة بين الطوائف لا علاقة لها بالتوافق الفكري، والعلاقات السيئة لا علاقة لها بالتباين الفكري. ربما نجد هذا على مستوى العاطفة الفردية البسيطة، وأما على مستوى التأثير الجماعي فعلينا البحث في مكونات ومقومات التكوين الاجتماعي والسياسي للطائفة.
2. الطوائف كائنات اجتماعية/سياسية وليست فكرية. والحديث عنها باعتبارها كائنات فكرية يصرف النظر عن حقيقة ما هي.
3. عندما نتحدث عن المذاهب نحن لا نتحدث عن مدارس فكرية لها رموز علمية وآراء فكرية. نحن نتحدث عن مجتمعات فيها مكوِّن مصالحي وفيها هرمية قيادية.
4. وإذا أردنا تجاوز المشاكل الطائفية فلا بد من:
• تقوية المبادئ الديمقراطية في المجتمعات المسلمة، لأنه بقدر وجود مساحة حرة للتنافس على القوى والمصالح بقدر ما تضعف نطاقات السلطات الأخرى: عشائرية وطائفية.
• تعزيز الاستقلال في التفكير لدى المسلم بإزاء علاقته مع رجل الدين. فعلاقة المسلم مع رجل الدين قد تكون علاقة اعتماد كلي: أي أنا أسأل وهو يجيب. هو يملي وأنا أتبع. في المقابل هناك علاقة اعتماد مبتادل: أي أنا أطرح قضايا وهو يطرح احتمالات. وهو يثير تفكيري في اتجاهات متنوعة وأنا أحاول تبني موقف على ضوء ذلك. فبقدر ما تكون علاقة المسلم مع العالم علاقة اعتماد كلي بقدر ما يكون للسلطة الطائفية تأثير. وبقدر ما تكون العلاقة من نوع الاعتماد المتبادل بقدر ما تقل سلطة الطائفة.
5. فكرة التسامح الطائفي لا تقدم الكثير لأن خطاب التسامح خطاب ديني، في حين أن التكوين الطائفي تكوين اجتماعي، ولا يمكن إزالة المشاكل الاجتماعية إلا بمعالجة جذورها الاجتماعية وليس ببيان التقارب الفكري بين الطوائف.
الهلال الشيعي وزيدية اليمن مثالاً
منذ فترة أثير احتمال انضمام زيدية اليمن إلى الهلال الشيعي. وفي هذه الورقة سأفكر بصوت عال في موضوع في غاية الأهمية وهو التمييز بين الانتماء الفكري وبين الانتماء الطائفي، وذلك لأطرح بعض النقاط حول فكرة "الهلال الشيعي" والزيدية كمثال للخلط بين الفكرة والطائفة.
خلاصة ما يلي هو أن أكون سنياً/شيعياً/إباضياً/زيدياً لا يعني أنني أنتمي لكل سني/شيعي/إباضي/زيدي ماضياً أو حاضراً. فالتفضيل الفردي لفكرة أمر، والانتماء لمن تبنى تلك الفكرة أمر آخر. أن أفضِّل اتباع فكر ابن تيمية شيء، وأن أشعر بالانتماء لكل من يتبع فكره آخر. وبالتالي فإنه لا يصح افتراض أن الناس ستنتمي لمن يوافقها في الفكرة؛ أي لا يصح استنتاج أو تفسير الطائفة بسبب الاشتراك بالفكرة. وأيضاً إذا وجدنا تحالفاً بين مجموعات طائفية بينها تشابه في الفكر، فعلينا أن نفسر التحالف بالانطلاق من معطيات أخرى غير التشابه الفكري.
وتنطلق هذه الورقة من مجموعة من الافتراضات:
1. الهوية لا تكون هوية إلا في سياق تفاعلات اجتماعية. لو عشت في جزيرة معزولاً عن الناس فلن يكون لي أي شعور بأي هوية. الهوية تقوم على عنصرين أساسيين: ما أنا؟ وما لست أنا؟ والعنصران يحتاجان إلى إنسان آخر ليمكن الإجابة عليهما.
2. مجرد حمل فكرة لا يحولها إلى هوية أساسية إلا إذا أصبحت جزءا من العملية المعيشية. فأن أكون مسلماً لا يعني أن الإسلام سيشكل هويتي الأساسية إلا إذا أصبح هذا الانتماء مؤثراً على علاقاتي الاجتماعية ومصالحي المعيشية. ومن الأمثلة الجيدة لهذا هو لون البشرة. فأن أكون أبيضاً أو أسوداً لا يصبح جزءا من هويتي إذا كنت ساكناً في منطقة لا يؤثر فيها لون البشرة على العلاقات الاجتماعية. ولكن سيصبح اللون جزءا من هويتي لو كنت أعيش في الولايات المتحدة أو جنوب إفريقيا. ولو عشت مسلماً في بيئة لا تعير الدين أي اهتمام جوهري فلن أشعر أن الدين هوية أساسية. والأمر ينطبق على جميع الانتماءات الفكرية والدينية المختلفة، بل حتى العرقية.
3. الهوية الاجتماعية شعور بالانتماء لجماعة. قد يكون الانتماء لمحبي الورد. وقد يكون الانتماء لمن يملكون سيارات من نوع معين. وقد يكون الانتماء لمن يعيش على أرض معينة. وقد يكون الانتماء لمن يحمل فكراً مشابهاً. وقد يكون الانتماء لمن يمرون بظروف متشابهة مرضى السكر مثلاً. ويحسن الإلتفات إلى أمرين:
• قبل الانتماء: مجرد التشابه لا يعني وجود انتماء. الانتماء يتكون عندما تقترن مصالح معينة به.
• بعد الانتماء: المسوؤليات التالية للانتماء تعتمد على المصالح المقترنة.
وبالتالي فإن مجرد الاشتراك في فكرة ليس مكوناً لطائفة. الهوية الفردية لا تتحول إلى هوية اجتماعية بشكل تلقائي. فلو كان هناك 1000 مسلم يعيشون في قرية، فلا يعني هذا أنه سيكون بينهم شعوراً جمعياً بأنهم مسلمون. كما إن هذا الاشتراك لا يحدد نوع المسؤوليات التي سيشعرون بإزاء بعضهم البعض. بل لا بد من صناعة الهوية الاجتماعية من خلال ربطها بمجموعة من المصالح .
4. الانتماء الطائفي أو المذهبي هو هوية اجتماعية وليس دينية. فأن أتبنى أفكار زيد بن علي أو الباقلاني أو ابن تيمية أمر... وأن أنتمي لمن ينتمي لتلك الأفكار شيء آخر تماماًً. وبما أنها هوية اجتماعية، وبما أن كل هوية اجتماعية إنما تكونت لأجل مصالح، فلا بد من الحديث عن المصالح التي تجمع أناس تحت مظلة طائفية.
5. الإنسان يحمل مجموعة من الهويات الأساسية الفردية والاجتماعية، وهو يختار متى يوظفها حسب معادلات المصالح الحالية. مثلاً: امرأة مسلمة مغربية أمازيغية زوجة أم أخت بنت … كلها هويات مختلفة وكل هوية تتبعها أدوار ومسؤوليات وكل هوية يتم تفعيلها حسب الظروف المحيطة.
على ضوء هذه الفرضيات سأطرح سؤالين وأجيب عليهما:
هل يمكن أن أقول إن خلافات اليوم هي امتداد لخلافات الأمس؟
وهل يمكن القول بأن طوائف اليوم هم امتداد لطوائف الأمس؟
الجوابان: لا. ولا.
فلكي يكون الخلاف اليوم امتداداً لخلافات الأمس لا بد من أن تكون معادلات الربح والخسارة أي روح تلك الخلافات هي نفسها. ولكن واقع الحال أن تلك الروح اختلفت. فمعادلات الربح والخسارة اختلفت نوعياً وبالتالي فلا يمكن اعتبار خلافات اليوم امتداداً لخلافات الأمس. خلافات اليوم هي صنيعة اليوم، وإن كانت توظِّف بعض منتجات الماضي. الخلاف السني الشيعي في لبنان ليس امتداداً للخلاف السني الشيعي في العصر الأموي وما بعد، لأن معادلات الربح والخسارة في القرن الأول للهجرة وفي البيئة الاجتماعية والسياسية آنذاك غير ما هي في هذا الزمن وفي بيئة اجتماعية وسياسية مختلفة تماماً، وهكذا. هناك قطيعة بين الحاضر والماضي يجب إدراكها حين ننظر إلى خلافات اليوم. نحن اليوم أمام اختلافات من نوع آخر تماماً، ومحاولات التحليل بالاستناد إلى الماضي توقعنا في أخطاء متعددة.
ثم إذا اعتبرنا أن الطائفة نفسها تكونت على أسس مصالحية، فهذا يعني أن تحول تلك الأسس يعني تحول الطائفة. فالطائفة تتكون من وعي أفرادها بضرورة الانتماء لبعضهم البعض بسبب مصالح ما، وباختلاف هذا الوعي تختلف الطائفة روحاً، حتى لو تشابهت شكلاًً. شيعي اليوم يملك وعياً بشيعيته تختلف عن وعي شيعي قبل 1000 عام، والأمر كذلك على السني والإباضي والإسماعيلي. والجهود التي يبذلها قيادات الطوائف في تعزيز الانتماء التاريخي هو من أجل محاولة خلق هذا الاستمرار في الوعي. ولكن لا يمكن أن يتشابه وعي من يقرأ التاريخ مع وعي من عاش ذلك التاريخ، كما لا يمكن أن يتشابه وعي من يعيش الألم من من يقرأ عنه. يمكن التعاطف، ولكن التعاطف لا يكفي لصناعة طائفة.
هذه الفرضيات تشكل خلفية الورقة وخلفية الاقتراحات في الأخير.
الهلال الشيعي:
استخدام العبارات الطائفية أو الإثنية في رسم الخارطة السياسية ليس جديداً، وعبارة الهلال الشيعي تقع ضمن هذه الاستخدامات. من المفارقات أن هذه العبارات تصنع الواقع الذي تشير إليه أكثر مما تصفه، كما إنها تُخفي أبعاداً بقدر ما تُظهر أخرى. تصنع الواقع لأنها ترفع من درجة الوعي المذهبي، وتسهم في تحويله من وعي فردي إلى وعي جماعي. تُخفي أبعاداً: لأنها بقدر ما تركز الأنظار على واقع مفترض، فإنها تصرف الانتباه عن الواقع الحقيقي.
محاولة فهم هذه العبارات يحيلنا إلى قضايا الهوية، وهي من أعقد الموضوعات الاجتماعية. وما يمكن قوله هنا هو أن لفظ "الهوية" مشترك لفظي ذات دلالات وإيحاءات متعددة غاية التعدد. فكلمة "شيعي" لفظة واحدة تشير إلى مضامين مختلفة. قد تشير إلى مضمون مذهبي: أي العقيدة والوعي التاريخي لأيام الإسلام الأولى. وقد تشير إلى مضمون طائفي: أي جماعة ذات خطاب مذهبي مشترك، وظروف سياسية واجتماعية واقتصادية متقاربة. وإلى مضمون تحالفي: أي أرضية تكوين تحالفات بين من يتفق على الانتماء المذهبي. لهذه المضامين المختلفة تجليات وأغراض.
عندما يتواجه سني وشيعي في مساحة لا توزع المصالح بناء على المذهب، فإن المضمون المذهبي للتشيع سيكون هو الأبرز بينهما. شيعي لبناني أمام سني لبناني، غير شيعي إيراني مع سني أمريكي. في الحالة الثانية فإن الاختلاف المذهبي سيكون هو الأبرز لعدم وجود مصالح مقترنة به. في الحالة الأولى فإن الأمر يعتمد على سياق اللقاء. فإذا كان توزيع مصالح الطوائف في لبنان، فإن الهوية الطائفية هي الأبرز، والهوية الشيعية مجرد اسم. الهوية المذهبية تكون هي الأبرز أيضاً عندما يسعى شيعة لتحالف سياسي مع سنة. وبقدر حيوية المصالح السياسية بينهم، بقدر ما سيختفي حضور الهوية الشيعية في لحظات العمل المشترك، وإن كانت لا تختفي تماماً.
عندما يكون هناك تنافس بين شيعة وسنة على توزيع مصالح بينهم فإن الهوية التي تبرز هنا هي الهوية الطائفية. والهوية المذهبية لا تمثل سوى الخطاب الظاهري. وكذلك عندما يسعى شيعة من وطن واحد للتحالف فيما بينهم، في سياق توزيع مصالح على الطوائف، فإن الهوية الطائفية هي البارزة.
وعندما يسعى شيعة من أوطان مختلفة للتحالف السياسي فيما بينهم، فإننا أمام هوية تحالفية لا علاقة لها بالمذهبية أو الطائفية. وهذه لا توجد إلا عندما يوجد وعي مشترك بالظلم والحرمان. ويصعب ـ إن لم يستحيل ـ إقامتها بغير ذلك.
يمكن الاستمرار في ذكر احتمالات اللقاء بين سني وشيعي، وتحليل نوع الهوية البارزة بينهم. والغرض هو التأكيد على صعوبة إطلاق أي عبارة طائفية أو مذهبية في وصف العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. فتدل هذه الأمثلة على تعدد معان الهوية بتعدد سياق استعمالها. وتدل على أن الهوية الشيعية هوية ظرفية ذات اشتراك في الاسم ولكن ليس في المضمون. وبالتالي فإنها لا تنشيء علاقات مباشرة بل لا بد من تحليل الظرف الذي توجد فيه، ومعرفة المصالح المرتبطة بالشيعي في تلك اللحظة، وبالتالي يمكن معرفة الجهات التي يمكن أن يتكون بينها تحالف. كما تشير إلى أن لكل هوية سياقها الذي تؤثر فيه. فلكل من الهوية المذهبية أطرها التي يمكنها أن تعمل فيها، والتي لا يمكنها الخروج عنها. وإذا ما خرجت فإنها تتحول وتصبح هوية أخرى.
وتحليل أسباب هذا التعدد، وكيفية نشوء "الطائفة" من "المذهب" خارج عن الغرض هنا. ولكن يجب أن يُذكر أن العلاقات النفعية تعتمد على مصالح نفعية بالدرجة الأولى. وأنه يندر للمصالح المعنوية أن تترجم إلى مصالح نفعية؛ وعندما يحصل ذلك فالعلاج هو التجاهل لأن انتباه "الآخر" إلى الهوية هو أهم عامل ديمومة لها. كما إنه من المهم الانتباه إلى أن الشيعة ـ مثلهم مثل أي طائفة ـ ليسوا نسيجاً موحداً، ولا مصالحهم كذلك، وهم في نهاية الأمر سيسعون للتحالف مع أي طرف سيضمن استمرار أو إعادة حقوقهم ومصالحهم. أخيراً إن الجدل الشعبي والمواقف التلقائية من عامة الناس لا تتحول إلى مواقف سياسية بشكل تلقائي، وبالتالي يجب التعامل معها على أنها انفعالات تحتاج إلى تنفيس وإلى توجيه.
التشيع المذهبي استعمل أثناء الحرب العراقية – الإيرانية في أوج فترة تصدير الثورة. فإضافة إلى الخطر العسكري، تمثل الخطر الإيراني في ذهن القيادات آنذاك في تحالفاته الممكنة مع الحركات الإسلامية في الدول العربية. فتم استخدام "التشيع" لخلق نفور شعبي من الشيعة على أمل أن يحد ذلك من نوع التحالفات بين القيادات السنية وبين الشيعة الإيرانيين. فالقلق كان من لقاء (تحالفاً) شيعي – سني من أوطان مختلفة. وفي هذا اللقاء فإن اللعب على وتر الهوية المذهبية يكون معطلاًً.
التشيع الطائفي يُستعمل اليوم في لبنان والعراق عند الحديث عن علاقات سنية ـ شيعية لأن المصالح الاجتماعية والاقتصادية يتم توزيعها وفق الانتماءات المذهبية وليس وفق استحقاقات وأهليات.
ولكن لم يسبق الحديث عن "تشيع تحالفي" إلا من خلال عبارة "هلال شيعي"، والتي لا يمكن أن تنطبق على التشيع المذهبي أو الطائفي. وكما سبقت الإشارة إليه فإن هذا النوع من التشيع لا يوجد إلا في حالة ما يكون بعض الشيعة في حالة من الحرمان والحصار بحيث يجدون في عنائهم المشترك ـ وليس هويتهم ـ أرضية للتحالف؛ ثم يلتفتوا من بعد ذلك إلى هويتهم ليجدوا أنها تقدم لهم خطاباً ووعياً تاريخياً ولغة تخاطب موحدة ويصبح الأمر لدى بعضهم، ولدى بعض مراقبيهم وكأنه نتيجة طبيعة لذلك التوحد، في حين أن الأمر لا يعدو الاشتراك في المصيبة.
وهناك امثلة تاريخية متعددة تدل على أن التوافق المذهبي لم يتحول إلى تحالف سياسي؛ وأن التشيع وحده لا يمكن أن يكون أرضية لأي تحالف، وإن كان أرضية لمنع تحالفات معينة. فمواقف إيران مع الشيعة ـ بل مع المسلمين ـ في الصراعات الروسي/الشيشاني، الروسي/الطاجيكي، الأرمني/الأذربيجاني (وهم شيعة) لم تعتمد على الهوية المشتركة الإسلامية أو الشيعية وإنما على المصالح المباشرة. والأمر نفسه ينطبق على علاقات إيران مع الشيعة العرب، وعلاقاتهم هم أيضاً معها. فعلاقاتها مع شيعة المملكة العربية السعودية، وشيعة الكويت، وشيعة البحرين، وعلاقاتهم بها اعتمدت على شعور الشيعة العرب بالغبن والاضطهاد، وليس على توافق مذهبي أو عقائدي. بل حتى العلاقات مع شيعة لبنان لم تعتمد على توافق مذهبي، بقدر ما اعتمدت على مصالح متبادلة.
لذلك إن ما يحصل اليوم يمكن اعتباره صعود ناس إحدى هوياتهم هي الهوية الشيعية، وليس صعوداً شيعياً، وانتصار حزب الله على إسرائيل هو انتصار للبنانيين ومسلمين وشيعة وليس انتصاراً للشيعة الطائفة. واستعداد بعض الشيعة اليوم للتعاون فيما بينها نتيجة ظرفية لوعيها المشترك بالظلم والاستهداف والحرمان والرفض والحصار؛ وليس نتيجة مطلقة لكونهم شيعة. ونفوذ إيران وعلاقاتها بالشيعة لن تزيد إذا كسب الشيعة في العراق، أو في لبنان، أو في اليمن أو في أي مكان لهم وجود. إنه سيزيد إذا شعروا أنهم مضطهدون، وأنهم محاصرون، وأن العرب من حولهم يتعاملون معهم وكأنهم شيعة أولاً، وعرب ثانياً.
إن الشيء المشترك الوحيد بين الشيعة هي رؤية دينية متوافقة وهذه لا تتحول بذاتها إلى رؤية سياسية مشتركة، ولن توجد "نحن" شيعية بشكل مطلق. وإذا ما وجدت فإننا سنجد أنها رد فعل لـ"هم شيعة". فالوعي الجمعي الشيعي يخلقه الخطاب السني أكثر مما يخلقه الاشتراك المذهبي.
والخلاصة أن مدخل إيران، وتكوّن هلال "شيعي" لن يكون على أساس التشيع وإنما عبر الشعور بالسخط والحرمان والحصار.
وبهذا يمكن الانتقال إلى اليمن.
الوضع في اليمن معقد شديد التعقيد. لتعدد اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، وتقلب دوافعهم واهدافهم. وأيضاً لتعقد التركيبة الاجتماعية والذهنية القبلية. يزيد الأمر تعقيداً حالة الاحتقان الشديد والتي تجعل التحليل يخلط بين الفعل والانفعال. وقد تجلى هذا التعقيد على كثير من التحليلات التي يقرأها المتابع اليمني ويشعر كأنها إسقاطات على اليمن أكثر منها تحليلاً لما يجري فيها.
وقد ظهر الحديث عن تحالف إيراني ـ زيدي في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي. ولكنه أخذ بعداً جديداً مع تصاعد أحداث صعدة الأخيرة.
40-45% من اليمن زيدية. ويوجدون في المناطق الشمالية الجبلية من اليمن. وتشمل مناطق الزيدية قبائل حاشد وبكيل ومذحج. هذه القبائل تمثل قوة أساسية في اليمن، وذات قدرة قوية على مقاومة أي قوة عسكرية كما ظهر ذلك في المواجهة مع العثمانيين، ثم الإمبراطورية البرطانية، ثم القوات الناصرية. لكل ذلك فإن احتمال دخولها ضمن تحالف مع إيران يمثل خطراً على الأطراف المعنية باليمن.
ولكن هذا الاحتمال يتم تكوينه وافتراضه، ولا يعتمد على واقع موجود على الأرض. فإيران لم تكن تملك أرضية قوية بين الزيدية، وذلك لأكثر من سبب أهمها:
أن أكثر القيادات الزيدية الرئيسية ـ السياسية أو العلمية ـ ربطت مصالحها بوضوح إما مع الحكومة في اليمن وإما مع المملكة العربية السعودية، وإما معهما معاً.
من لم يكن كذلك كان يرى أن أي علاقة مع إيران ستخلق أضراراً أكثر من المصالح المتوقعة وغير المؤكدة.
ثم إنها جميعاً كانت لتأكيد هويتها المحلية، واستقلال قراراها. كما كانت تتجنب أن تحالفات يتم النظر إليها على أنها موجهة ضد أطراف محلية أو إقليمية.
أيضاً استُفز الزيدية من محاولات بعض الشيعة التبشير بالمذهب الإثنا عشري في اليمن.
هذا من جهة الزيدية.
وأما من جهة إيران:
فلم تكن ترى الزيدية طرفاً منظماً وقوياً يمكن أن يحقق لها تحالفاً فعالاً. ربما اختلفت الظروف اليوم، ولكن لم يكن هذا بالأمس مما يدل على أن الأمر ذو اعتبارات مصالحية وليس فكرية.
ولفهم العلاقة المحتملة بين الزيدية وبين إيران فيجب النظر بعيداً عن الاشتراك في التشيع وإنما في تفاعل أمرين مع بعضهما البعض:
أولهما: التحولات في الهوية الزيدية جراء الأحداث التي مرت بها تجربة الإمامة.
ثانيهما: التحولات في رؤية الزيدية لـ "رؤية الآخرين" إليهم على ضوء ما جرى في صعدة.
وقبل أن أوضح المقصود بينهما يجب التنويه إلى أن أحداث صعدة لا تشرح أي علاقة بين إيران وبين الزيدية. ومن الخطأ أن ننطلق من توافق الشعار مع شعارات حزب الله أو الإيرانيين وبناء تحليلات سياسية عليها. فالمسألة ما هي إلا تفاعلات معقدة لمحاولة اعتقال حسين الحوثي الذي كان مصمماً على رفع شعار الموت لأمريكا الموت لإسرائيل. هذه المحاولة تحولت إلى مواجهة دامت 80 يوماً، ثم تطورت إلى ساحة لتصفية الحسابات وللمواجهة بين القوى المحلية. فالصراع لم يكن مع مجموعة عقائدية أو مذهبية أو دينية، بل كان بين الجيش وبعض المتطوعين وبين خليط من القبائل والهاشميين ذوي الميول والخلفيات والدوافع المتنوعة والمختلفة والمتضادة أحياناً. وكثير ممن قتل أو سجن لم يكن يعرف حسين الحوثي ولا أفكاره ولا دروسه. لقد تفاعلوا معه البعض من باب الغيرة على من تستهدفهم الحكومة، وتفاعل معه آخرون من باب استغلال الفرصة لمواجهة الحكومة، وتفاعل معه آخرون من باب الخوف على الهاشميين. وتفاعل معه آخرون من باب التعاطف مع والده الشيخ المسن الذي تجاوز الثمانين من عمره، والذي يعد من خيرة الهاشميين وكبار علمائهم. وتفاعل معه آخرون لكونهم لا يملكون خيارات في الحياة بسبب فقرهم المدقع، ويعلم الجميع بأن ما يقرب من نصف الشعب اليمني يعيش تحت خط الفقر، وأن الفقر خير مناخ للحرب والاقتتال.
إن البحث عن العلاقة بين الزيدية وإيران يجب أن يكون في العوامل نفسها التي سبق ذكرها عند الحديث على التشيع التحالفي: الشعور بالسخط والحرمان والحصار.
أولاً: التحولات في الهوية الزيدية:
قامت فكرة الإمامة على تجاوز الطائفية ما أمكنها، يتجلى هذا من نصوص مرجعية مثل قول محمد بن عبد الله النفس الزكية(ت145هـ) حيث: ((أوجب على من قام بهذا لأمر الدعاء لجميع الديانين، وقطع الألقاب التي يدعى بها فرق المصلين، وغلق الأبواب التي في فتح مثلها يكون عليهم التلف، والامساك عمَّا شتت الكلمة، وفرَّق الجماعة، وأغرى بين الناس فيما اختلفوا فيه وصاروا به أحزاباً، والدعاء لطبقات الناس من حيث يعقلون إلى السبيل الذي لا ينكرون وبه يؤلفون، فيتولى بعضهم بعضاً، ويدينون بذلك، فإن اجتماعهم عليه إثبات للحق وإزالة للباطل.)). كما يتجلى من الممارسات التاريخية مثل رؤية الإمام يحيى حميدالدين نحو الخلافة العثمانية، حيث كان يعتبرها مظلة للمسلمين جميعاً، ويؤكد ـ قولاً وفعلاً ـ بأن مقاومته هي للممثلي الخلافة الذين يعيثون في اليمن فساداً، وليس للخلافة. وقد انعكس هذا على تشكيل الزيدية لهويتهم. حيث كان البعد الطائفي فيها ضعيفاً للغاية. يظهر هذا بالنظر إلى التحالف بين الإخوان المسلمين وبين قيادات الزيدية في اغتيال الإمام يحيى، كما يظهر في انخراط الكثير من الزيدية في الحركة الإخوانية خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.
ولكن هذا الأمر أخذ في التحول تدريجياً. فبعد انقلاب/ثورة 1962 ـ والذي كان في الأساس نتيجة تحالف بين يمنيين زيدية وبين عبدالناصر ـ توجهت بعض القيادات الثورية إلى الهاشميين وإلى فكر الزيدية باعتبارهما يمثلان ركني الإمامة عبر 1100 سنة. وكان التركيز في البدء على الهاشميين أكثر منه على الزيدية، كما كانت لغة المواجهة لغة قومية بالدرجة الأولى.
ولكن الأمر أخذ في التحول مع تصاعد التيار السلفي، وسلوكه الذي يصرح بأن القضاء على الزيدية يمثل هدفاً استراتيجياً له، والأهم من هذا هو استخدامه لغة "أهل السنة" و"الروافض" في المواجهة. فبدأت الهوية الزيدية تأخذ شكلاً جديداً. فبعد أن كانت هوية قائمة على المشترك مع الآخرين، هوية آمنة وقائمة على مشروع سياسي يضم أطرافاً متعددة؛ أصبحت هوية تبحث عن ما يميزها عن غيرها، هوية تشعر بالتهديد الشديد، وهوية قائمة على مشروع "صراع البقاء".
هذا التحول أعاد صياغة علاقاتها مع فكرها، ومع قضاياها، ومع من تتعاطف أو تتحالف معهم.
فمن حيث الفكر، بدأت القضايا ذات العلاقة بأهل البيت والإمام علي تأخذ بعداً عاطفياً أشد. وصار تعلُّم الزيدية يكاد يرادف تعلم النصوص التي تؤكد حقوق أهل البيت وإمامة علي. ومن حيث القضايا أصبحت مواجهة السلفية هي القضية الكبرى. ومن حيث التعاطف أو التحالف صارت مبني على الاشتراك في الغبن بقدر ما هو مبني على الاشتراك في المبدأ الإسلامي العام. ولذلك فعندما قامت الثورة الإسلامية في إيران، تعاطف معها كثير من الزيدية لثلاثة اعتبارات:
أولها: مثلهم مثل أغلب المسلمين في العالم الإسلامي، اعتبروها حركة ثورية ضد نظام جائرٍ، وحركة إسلامية تريد إعادة الدولة الإسلامية.
ثانيها: كونها تتحدث باللغة التي تمثل الشكل الجديد لهوية الزيدية. لغة فيها محبة أهل البيت، والإمام علي، ونحو ذلك.
ثالثها: وأهمها كونهم شعروا أنهم مضطهدون محاصرون وأن لا سبيل أمامهم إلا هذه الدولة التي تتكلم بكلام أهل البيت، وقادتها علماء مجتهدون، وزعيمها من أهل البيت.
وقد أدى ذلك التعاطف إلى محاولات من البعض للتواصل مع إيران ومع الحركات الشيعية الأخرى خصوصاً خليجية والتي جمعهم بها الشعور بالاضطهاد المشترك. ولكنها باءت بالفشل لعدم توافق المصالح.
التحول في هوية الزيدية لم يكتمل بعد لكونه يجد مقاومة النصوص والتجربة الزيدية التي رسخت عبر 11 قرناً.
والشد والجذب بين ما يفرضه الواقع على الزيدية من تحول في الهوية وبين ما تتطلبه الفكرة الزيدية يفسر كثيراً من التجاذبات التي وقعت في الساحة الزيدية.
ثانياً: التحولات في رؤية الزيدية لـ "رؤية الآخرين" إليهم على ضوء ما جرى في صعدة.
يتفاعل الفرد مع غيره وفق مجموعة من الأمور منها: رؤية الفرد للآخر. وأيضاً رؤية الفرد لـ "رؤية الآخر" إليه. فأنا أتعامل مع زيد وفق رؤيتي له، وأيضاً وفق ما احتمله من رؤية زيد لي.
والمتابع للعلاقات الزيدية مع محيطهم يجد أن الرؤيتنين كانتا إيجابيتين. فالمراسلات والرحلات كلها تدل على حالة متوازنة وإيجابية. ولكن هذا الأمر أخذ يتحول، ووصل إلى غايته في أحداث صعدة. الزيدية تقرأ أحداث صعدة من خلال ما حصل فيها (أو ما يعتقدون أنه حصل فيها) ومن خلال رد فعل العالم العربي لذلك.
فهم يرون عنفاً تجاوز جميع الاعتبارات الإنسانية والقانونية. يرون قتل الآلاف من المدنيين والعسكريين، واستخدام أسلحة محرم استعمالها دولياً ضد المدنيين، وتدمير قرى ومنازل بأكملها، وتحريق مزارع وقلع أشجار، وقطع أرزاق وفصل من وظائف، وحرق وتشويه وسحل جثث بعض القتلى في صعدة، واعتقال آلاف منهم أحداث لم يبلغوا سن الرشد القانوني، وملاحقة رمز من رموزها تجاوز الثمانين من عمره، ونعته بأقبح النعوت والأوصاف، وهجوماً إعلامياً على الهاشميين واتهامهم في أنسابهم وفي أعراضهم وانتمائهم وولائهم للوطن وللوحدة اليمنية.
كما يرون أنهم لكونهم الحلقة الأضعف صاروا مسرح الصراع السياسي بين القوى الكبرى في اليمن.
ثم يرون سكوتاً مطبقاً، ما عدا صوت هنا وهناك.
وبقطع النظر عن صحة رؤيتهم، ومدى موافقتها للواقع؛ فإن هذه الرؤية تعيد صياغة ما هو محذور وما هو مقبول.
إن تفاعل تحولات الهوية مع تحولات رؤية الزيدية لأنفسهم ولغيرهم هي التي تخلق المناخ الملائم لعلاقات من نوع آخر مع إيران أو مع قوى أخرى وليس الاشتراك أو التقارب في الفكر .
أخيراً.
1. عندما نتحدث عن الطوائف وعن العلاقات بينها يجب أن نبتعد عن التشابه أو التباين الفكري بينها. العلاقات الجيدة بين الطوائف لا علاقة لها بالتوافق الفكري، والعلاقات السيئة لا علاقة لها بالتباين الفكري. ربما نجد هذا على مستوى العاطفة الفردية البسيطة، وأما على مستوى التأثير الجماعي فعلينا البحث في مكونات ومقومات التكوين الاجتماعي والسياسي للطائفة.
2. الطوائف كائنات اجتماعية/سياسية وليست فكرية. والحديث عنها باعتبارها كائنات فكرية يصرف النظر عن حقيقة ما هي.
3. عندما نتحدث عن المذاهب نحن لا نتحدث عن مدارس فكرية لها رموز علمية وآراء فكرية. نحن نتحدث عن مجتمعات فيها مكوِّن مصالحي وفيها هرمية قيادية.
4. وإذا أردنا تجاوز المشاكل الطائفية فلا بد من:
• تقوية المبادئ الديمقراطية في المجتمعات المسلمة، لأنه بقدر وجود مساحة حرة للتنافس على القوى والمصالح بقدر ما تضعف نطاقات السلطات الأخرى: عشائرية وطائفية.
• تعزيز الاستقلال في التفكير لدى المسلم بإزاء علاقته مع رجل الدين. فعلاقة المسلم مع رجل الدين قد تكون علاقة اعتماد كلي: أي أنا أسأل وهو يجيب. هو يملي وأنا أتبع. في المقابل هناك علاقة اعتماد مبتادل: أي أنا أطرح قضايا وهو يطرح احتمالات. وهو يثير تفكيري في اتجاهات متنوعة وأنا أحاول تبني موقف على ضوء ذلك. فبقدر ما تكون علاقة المسلم مع العالم علاقة اعتماد كلي بقدر ما يكون للسلطة الطائفية تأثير. وبقدر ما تكون العلاقة من نوع الاعتماد المتبادل بقدر ما تقل سلطة الطائفة.
5. فكرة التسامح الطائفي لا تقدم الكثير لأن خطاب التسامح خطاب ديني، في حين أن التكوين الطائفي تكوين اجتماعي، ولا يمكن إزالة المشاكل الاجتماعية إلا بمعالجة جذورها الاجتماعية وليس ببيان التقارب الفكري بين الطوائف.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)